الشيخ محمد هادي معرفة

72

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

بخلق الصوت في الهواء بما يقرع مسامع النبيّ صلى الله عليه وآله « 1 » ولا يرى شخص المتكلّم ومن ثَمَّ شُبّه بمن يتكلّم من وراء حجاب . والثالثة : إرسال ملك الوحي فيبلّغه إلى النبيّ ، إمّا عيانا يراه ، أو لا يراه ولكن يستمع إلى رسالته . إذن ، فالفارق بين الوحي الرسالي وسائر الإيحاءات المعروفة هو جانب مصدره الغيبي اتّصالًا بما وراءَ المادّة . فهو إيحاء من عالَمٍ فوق ، الأمر الذي دعا بأولئك الذين لايروقهم الاعتراف بما سوى هذا الإحساس المادّي أن يجعلوا من الوحي الرسالي سبيله إلى الإنكار ، أو تأويله إلى وجدانٍ باطني ينتشي من عبقرية واجده ، وسنبحث عن ذلك في فصل قادم إن شاء اللّه . ملحوظة : بما أنّ الوحي ظاهرة روحية فإنّه بأيّ أقسامه إنّما كان مهبطه قلبه الشريف ( شخصيّته الباطنة : الروح ) سواء أكان وحيا مباشريا من اللّه أم بواسطة جبرائيل . قال تعالى : « فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ » . « 2 » « نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرينَ » « 3 » والقلب هو لبّ الشيء وحقيقته الأصيلة . قال سيّدنا الطباطبائي : « وهذا إشارة إلى كيفيّة تلقّيه صلى الله عليه وآله القرآن النازل عليه ، وأنّ الذي كان يتلقّاه من الروح هي نفسه الكريمة من غير مشاركة الحواسّ الظاهرة التي هي أدوات لإدراكات جزئيّة خارجيّة . . . فكان صلى الله عليه وآله يرى شخص الملك ويسمع صوت الوحي ، لكن لا بهذه السمع والبصر المادّيتين ، وإلّا لكان أمرا مشتركا بينه وبين غيره ، ولم يكن يسمع أو يبصر هو دون غيره . فكان يأخذه برحاء الوحي وهو بين الناس فيوحى إليه ولا يشعر الآخرون الحاضرون . . . » . « 4 » اللّهم سوى ما ورد بشأن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام ، كان يرى ما يراه النبيّ ويسمع ما

--> ( 1 ) - لكن لا بهذه الاذن المادّيّة وإلّا لَسمعه الآخرون أيضا ، بل بذلك السمع الّذي يخصّ باطنه ، قال تعالى : « فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ » ، البقرة 97 : 2 . ( 2 ) - البقرة 97 : 2 . ( 3 ) - الشعراء 193 : 26 - 194 . ( 4 ) - تفسير الميزان ، ج 15 ، ص 346 . برحاء الوحي : شدّة ألمه والإحساس بكربه .